الأزمة مفتاح للتغيير

تمر المنشأة بين حين وآخر بأزمات، منها ما قد يتفاقم ويُحدث أصداء خارج إطار المنشأة ويسبب حرجًا إعلاميًا، ومنها ما قد يتعدى ذلك ويسبب خسائر. التعامل مع الأزمات له أصول وتطبيقات تختلف من مكان إلى آخر حسب الثقافة السائدة داخل المنشأة وكذلك ثقافة المحيط الذي تعمل فيه المنشأة. أضف إلى ذلك حجم الأزمة، وأثرها، ومدى انتشارها، ومصداقية ما يتم تداوله مقارنة بما حدث أو يحدث بالفعل أثناء الأزمة.

عند مساء اليوم 18 من نوفمبر عام 1987م في محطة قطار الأنفاق (كينجز كروس) في لندن أبلغ أحد الركاب موظفًا في المحطة أنه رأى منديل يحترق أسفل السلم الكهربائي. ذهب الموظف للموقع وعندما وجد المنديل ضربه عدة مرات بمجلة مطوية في يده لينطفئ، ثم عاد مباشرة إلى موقعه. لم يتحرَّ عن السبب أو المصدر، ولم يتصل بالدفاع المدني لوجود قسم مختص بمكافحة الحرائق. اتبع الموظف أعراف وتعليمات صارمة توجب عدم التدخل في عمل الآخرين. فالتواصل بين الإدارات لا يتم قبل إذن المدراء. كما أنه خشي الإعلان عن حريق وإحداث فوضى بين الركاب.

بعدها بخمسة عشر دقيقة، لاحظ راكب آخر دخان بسيط يتصاعد من تحت السلم الكهربائي وأبلغ موظفًا آخر. طُلب أخيرًا من مفتش السلامة الحضور لتقصي الأمر لكنه لم يبلغ رجال الإطفاء لأنه لم يكن متيقنًا. لحسن الحظ أن شرطيًا من خارج المحطة رأى الحريق أسفل السلم وأبلغ عنه. عندما وصل مفتش السلامة لمكان الحريق لم يستطع فعل شيء، لأنه لم يتلقَ التدريب المناسب على جهاز مكافحة حرائق المحركات الخاص بالسلالم الكهربائية ولم يعلم بوجوده أساسًا. لأن تلك الأجهزة من اختصاص قسم آخر.

معظم التعليمات والقوانين لم تكن مكتوبة ولا وجود لها أساسًا إلا بين الموظفين، فكانت أعراف يتناقلونها بينهم لتصنع ثقافة المنشأة التي تضم قرابة 19,000 موظف. يدير تلك المنشأة أربع قطاعات بسلاسة فيما بينها. تلك السلاسة كانت نتيجة بيئة عمل شرسة تقاسمت الصلاحيات لأغراض شخصية. صنعت تلك البيئة ثقافة عدم التدخل في عمل الآخر مما أدى إلى التردد في البلاغ عن الحادث.

وصلت فرق الإطفاء للموقع بعد ما يزيد عن أربعين دقيقة من حادثة المنديل المحترق. أدى الحادث إلى مقتل 31شخصًا وإصابة 100 آخرون. أسفرت التحقيقات أن السبب كان عود ثقاب وقع تحت السلم الكهربائي. سبّب عود الثقاب كارثة، لكنه أشعل تغييرًا إداريًا في قطارات الأنفاق، وسطّر دروسًا لمنع وقوع كارثة أخرى.

قبل أن يخيّم الدخان على المحطة خيّمت أجواء من الحِدة في عمل إدارات قطار الأنفاق. كما تكوّنت عادات إدارية سلبية أفرزها السعي وراء الصلاحيات وضعف الاتصال الإداري. كانت الأنظمة والقوانين في محطات قطار الأنفاق تحث الأقسام للسعي خلف المزيد من الصلاحيات والقوة الإدارية. توبيخ الموظف إذا تدخل في مهام غيره كوّن ثقافة العزلة، وضعف التواصل. لم تكن الإدارات تشارك غيرها بالمعلومات بل تحتفظ بها. المعرفة التي كان يجب أن تنتشر، كانت حكرًا على مجموعة من الموظفين دون البقية.

عَيّنت رئيسة الوزراء البريطانية آن ذاك “مارجريت تاتشر” مسؤولًا لتقصي الحقائق وتقديم التوصيات. أظهرت التحقيقات أن القياديين كانوا لسنوات يعلمون أن خطر الحرائق مُحدِق، ولم يتم أي إجراء حيال ذلك. طوال تلك المدة، تجاهل القياديون في المحطة دراسات واقتراحات لمكافحة الحرائق. استغل مسؤول التحقيق الأزمة إعلاميًا وضغط على إدارة محطات قطار الأنفاق. فكشف عن الإهمال أمام الملأ وأشار إلى أن الخطر لايزال يحيط بركاب القطارات في لندن كلها. أفضت المقابلات والتحقيقات مع العاملين في محطات قطار الأنفاق أن المسؤولين صبوا اهتمامهم على شحذ الصلاحيات والنفوذ دون الاهتمام بسلامة الركاب.

صدر التقرير النهائي بعد سنة واتهم المؤسسة بالفشل البيروقراطي. شمل التقرير نظام العمل في محطات قطار الأنفاق، ووجد أن معظم قيادات المؤسسة إما فاسدة أو تفتقر للأهلية. تفاعل الناس مع النتائج، وفُصل جميع القياديين وبدأ العمل على قلب ثقافة المنشأة. جميع المحطات في لندن اليوم يوجد بها مدير ومن أولى اهتماماته سلامة الركاب. كل موظف ملزم بالإبلاغ عن أدنى مشكلة قد تعرّض أحدًا للخطر.

ينغمس كثير من القياديين في معمعة الأزمة والتعامل مع تداعياتها حتى من الناحية الإعلامية من تصريح ورد، أو دحض وتصحيح، والخوض في روايات وآراء. بالرغم من الكرب الذي تُحدثه الأزمات في أماكن العمل، إلا أنها تتيح فرص عديدة للتغيير. ثقافة المنشأة والقوانين والأنظمة مهما بلغت صرامتها تهتز وتكون في أوج قابليتها للتغيير أثناء الأزمات. كما يمكن أن تساهم في حل مشاكل أخرى لا صلة لها بالأزمة. حتى بيئات العمل الرديئة، يمكن للأزمات أن تنفض عنها الجمود وتعيدها للحياة.

*للاستزادة حول حادثة الحريق أشار إليها (تشارلز دويج) في كتابة قوة العادة (The Power of Habit)

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s