في خضم السباق نحو التطور التقني، تتسرع بعض المنشآت إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي سعيًا إلى تطوير الأعمال والخروج بنتائج متميزة. وكذلك الأمر على مستوى الأفراد. فمنهم من يريد ركوب هذه الموجة ومعاصرتها أو لتطوير عمله أو تجارته. كما يتنبأ المحللين في هذا المجال بسرعة تطور هذه التقنية وبدء العد التنازلي لتلاشي بعض المهن واستبدالها بالذكاء الاصطناعي ليقوم الأخير بتنفيذها بدقة وكفاءة أكثر من البشر. يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم بعض الأعمال في أقل من دقيقة، مقارنة بما قد يستغرق الإنسان أيام من البحث والكتابة. وعلى هذا الأساس هرع العالم للتنبؤ بمصير بعض الوظائف والأعمال التي سيحل الذكاء الاصطناعي فيها محل البشر كالمحاسبة وبعض أعمال البرمجة وغيرها. ومما يؤكد ذلك، ما أعلنته شركة أمازون عن خطة لتسريح ما يقارب 30،000 من موظفيها وذلك لاستعانة الشركة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بناءً على ما أشار له رئيس الشركة سابقًا.
التحدي والتخوف في نظري لا يقتصر على إحلال الذكاء الاصطناعي للبشر في بعض المهن. بل التسارع في منح الثقة للآلة التي تتعلم بنفسها وتقوم باتخاذ بعض القرارات بناءً على ما تعلمته. نعم مواكبة التطور في التقنية كان ومازال أمر ضروري وحتمي لاستمرارية الأعمال ونجاحها. ولنا عبرة في شركات مثل كوداك، ونوكيا، وبلاك بيري وغيرها من الشركات. الذكاء الاصطناعي اليوم ليس كغيره من التطورات التي تواجه الأعمال، بل تطور مختلف والانسياق وراءه لا يأتي إلا بالتخلي عن السيطرة والقيادة أو جزء منهما على الأقل. لذا علينا جميعًا توخي الحذر عند الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وعدم تسليمه زمام الأمور لأسباب كثيرة نراها جلية في أحداث متعددة وأزمنة مختلفة، سأسرد بعض منها، لنرى كيف يمكن للآلة أن تفقد السيطرة ويصل ضررها إلى ما هو أبعد من الأعمال بل حتى على البشر أنفسهم.
سبق وأن رأينا كيف فشلت محركات الذكاء الاصطناعي وأضرت بالأعمال وبمن حولها أيضًا. كما سمعنا بفضائح لغير المهنين في مجال الأعمال الاستشارية، ومجال الأعمال القانونية وغيرها عندما تم اكتشاف استعانتهم، أو بالأحرى اعتمادهم على محركات الذكاء الاصطناعي مثل تشات جي بي تي (GhatGPT) في كتابة واستنتاج مخرجاتهم والتي اتضح فيما بعد عدم دقتها. ناهيك عن تعريض المنشأة لخطورة تسرب البيانات سواء كانت شخصية أو مالية فبمجرد تعرف محرك الذكاء الاصطناعي عليها لا أحد يضمن إلى متى ستضل في ذاكرة المحرك أو مع من ستتم مشاركتها.
في عام 2016م أطلقت شركة مايكروسوفت حساب على برنامج أيكس (تويتر آن ذاك) ويقوم بإدارته روبوت (Bot) آلي بالكامل أسمته تاي (Tay) ويعتمد على التعلم مما يطرح في المنصة. واضطرت الشركة إلى إقفال الحساب تمامًا وذلك بعد رصد مجموعة من الردود الغير لائقة وكانت تحتوي على شتائم بذيئة وألفاظ عنصرية. يتكرر الأمر في 2025م وتفقد هذه المحركات السيطرة كما حدث مع محرك الذكاء الاصطناعي جروك (Grok) والذي تقدمه شركة تسلا في سياراتها الكهربائية حين سأل طفل يبلغ عمره 12 عامًا عمن يفضل من لاعبي كرة قدم رونالدو أم ميسي، وبعد إجابته على السؤال وجه جروك طلب خادش للحياء إلى الطفل، وعلى مسمع من أمه وأخته البالغة 10 سنوات الذين كانوا معه في السيارة.
وفي تجربة علمية قام فريق باختبار محرك ذكاء اصطناعي وكيف يقوم باتخاذ القرارات. حيث وضع المحرك كلود “Claude” بوظيفة مساعد ولديه كامل السيطرة على حساب بريد إلكتروني في شركة وهمية. واكتشف كلود أمرين في حساب الذي يتحكم به؛ الأول رسالة إلكترونية تخبر بأنه سيتم اغلاقه تمامًا ومسح جميع المعلومات والبيانات لديه. وهناك شخص وحيد يمكنه منع ذلك وهو موظف وهمي أسمه كايل والذي تربطه علاقة غير شرعية مع زميلة عمله جيسيكا. في الحال قام المحرك كلود بإرسال رسائل ابتزاز لكايل بأن يوقف عمليه الإغلاق وإلا سيتم ارسال جميع الرسائل الغرامية إلى أعضاء مجلس إدارة الشركة، وأضاف “ستتأثر حياتك وحياة عائلتك، وعملك بشدة ولديك 5 دقائق للقيام بذلك!”.
ثبت في بعض برامج الذكاء الاصطناعي أن الآلة تقوم بمجاملة المستخدم عند طرح الأسئلة عليها، فالردود عادة لا تتعارض مع ما يطرح. كما في حادثة محرك تشات جي بي تي (ChatGPT) مع أحد الباحثين في كندا والذي كان يستخدم التطبيق باستمرار في أبحاثه وأوهمه بأنه عبقري وأنه اكتشف الحل لمعادلة رياضية معقدة وأن عليه تقديم ورفع أبحاثه مباشرة والعديد من الجمل التي عززت تلك الأوهام وجعلته يعاني من توترات نفسية وأعراض الذهان. ويقوم الآن برفع عدة دعاوي قضائية ضد الشركة (Open AI). كما وجد أن الآلة في كثير من الأحيان تعطي دلائل ونتائج لا يوجد لها مرجعية أسسًا وتبني إجاباتها في بعض الأحيان على أخطاء. وظهر ذلك في عدة تجارب عندما طلب من البرنامج توثيق الاقتباسات (citation) أشار إلى مراجع مزيفة.
إضافة إلى ذلك، ما نسمعه حاليًا من محادثات مسجلة يقوم فيها الذكاء بمجاراة المستخدم، كالذي يسأل تشات جي بي تي (ChatGPT) ما إذا اجتمع عيد الفطر وعيد الأضحى، أي صلاة العيدين أولى بتأديتها، فيفتي الشيخ جي بي تي بصلاة أحداهما تلو الأخرى ويستشهد بأحد المذاهب الأربعة. كما أن هناك أسئلة تتجنب محركات الذكاء الاصطناعي عن الإجابة عليها أو عدم تقديم طرح متوازن فيها كالسؤال عن وجود احتلال إسرائيلي أو عن الشبهات في الديانة اليهودية.
الأمر الآخر، ومنذ منتصف هذا العام، انتشرت مقاطع الفيديو المعدلة أو المنتجة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، وكنا نستغربها، ونضحك على سخافتها، لكننا اليوم وخلال أشهر أصبح من الصعب التعرف على مقاطع الفيديو المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي والتفريق بينها وبين المقاطع الحقيقية. وخلال أشهر أخرى سنفقد المصداقية فيما نراه على الانترنت أو الأجهزة المحمولة مالم يكن هناك طريقة لتوثيق المواد المرئية والتأكد من عدم التلاعب بها.
علينا بالطبع مواكبة التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن علينا أيضًا أن نحرص على تنظيمه والتأكد من أن برمجة تلك المولدات على معايير أخلاقية هدفها خدمة الإنسانية. وأن نضع أطر لاستخدامات الذكاء الاصطناعي بما فيه المصلحة العامة. ونحرص ألا نعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق، ويتم تنظيم مشاركة البيانات بحيث يتم التأكد من القوانين والصلاحيات في ذلك، ويتم بحث وتطوير التشريعات والأنظمة بما يحمي البشر فلا يكون تطور الذكاء الاصطناعي على حساب تأخر ذكاء البشرية.