مهرجون خارج السرك

شهدت شخصية المهرّج في الفترة السابقة تغييرًا غريبًا لتصبح شخصية منبوذة بعد أن كانت محبوبة. بل إنها أصبحت لدى البعض مخيفة جدًا وسبب لنوبات الهلع والقلق. تعددت أدوار المهرج على الشاشة الكبيرة وكثر تجسيدها لأدوار الشر كما في شخصية “الجوكر” في أفلام (بات مان) والمهرج “بيني وايز” في فلم ورواية (إت)  لستيفن كينق. والمهرج “تويستي” من برنامج (قصة الرعب الأمريكية) انتشر هذا القلق والخوف من شخصية المهرج حتى صار لهذا الخوف تشخيصًا علميًا باسم “كولروفوبيا” (Coulrophobia) أي الخوف من المهرجين.

تعزو دكتورة الطب النفسي “دينا روبينويتز” والمتخصصة في علاج اضطرابات القلق والخوف الشديد (فوبيا) هذا الخوف من المهرج إلى سببين، أحدهما أنه دائمًا مبتهج وبشكل مبالغ فيه وهذا السلوك بحد ذاته مدعاة لعدم الثقة. السبب الآخر أن البشر يعتمدون في تواصلهم إلى حد كبير على التعابير الغير لفظية ومنها تعابير الوجه، والمهرج دائمًا ما يرسم بالمساحيق تعابير معينة تطغى على تعابيره الحقيقية، أو مغايرة لها، وهذا يدعو إلى الريبة.

المخيف فعلًا أن نرى امتدادًا لذلك في شخصيات من حولنا وعلى منصات التواصل الاجتماعي. فهناك من يبالغ ويصطنع على الدوام الضحك والتهريج إلى الحد الذي تستغرب استمراره على هذا المنوال وتتساءل عما يدور في حياته وما إذا كان لديه أي مسؤوليات تستدعي أن يكون أكثر جديّة. وهناك من تشعر بتصنّعه كشخصية مؤدبة ومحترمة وأحيانًا تقيّة ومتدينة كذلك من يتصنّع مشاعر معينة كابتسامة صفراء يجاهد أثناء رسمها حتى لا تقع عينه في عينك مباشرة. والتصنّع يأتي بحسب ما يستدعي المحيط والظروف المصاحبة. فقد يكون متصنعًا بين زملائه، أو أمام مديره في العمل، أو في الإعلام، وربما أمام الجميع.

قد تنخدع بأحدهم يومًا ما، لكن تأكد أن حسن نيتك لم يكن السبب. لا تلم نفسك وتعتقد أنك كنت ساذجًا فتتحول أنت الآخر إلى مهرج. كذلك، لا تكافئ المتلونين والمتصنعين فتحفز إنتاج المزيد منهم للمجتمع. كن صادقًا مع نفسك أولًا، كافئ الصادقين بالشكر حتى لو لم تجد منهم ذلك الود الذي يرضيك. في النهاية، أيًا كانت غاية المهرج ومهما بلغ احترافه وطال تمثيله، فلا بد للعرض أن ينتهي وتسيح تلك الأصباغ أو تبهت وتُزال الفلاتر لينكشف لمن حوله ويرى الجميع حقيقته حتى لو بعد حين. ولو نجح وطال به الأمد، سيظل هو من يرى حقيقة نفسه وزيفها كل يوم عندما ينظر في المرآة أو إلى مقاطعه لتظهر له وحده على الأقل أنه شخصية كاذبة وفارغة لا قيمة لها، ولو أطال النظر إلى صورته لبصق عليها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s